العمارة الذاتية وتجربة الكاستور في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية

العمارة الذاتية وتجربة الكاستور في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية

ليال الحدّاد- طالبة ماستر عمارة في ENSA Paris-Belleville

المسكن، هو أحد أهمّ أشكال العمارة وأولها. فمنذ اللحظة التي توقّف فيها الإنسان عن التنقّل واستقر في أرضه المزروعة، أخذ يطور أشكال سكنه بما يتناسب مع بيئته المحيطة ومناخها. عمارة الناس تلك لم تكن بحاجة إلى مهندسين، كان السكّان المحليون يبنون منازلهم وفق احتياجاتهم وباستعمال المواد المتوفرة في بيئتهم المحيطة، إنّه شكل البناء الذي يسمّى اليوم بالعمارة المحلية.

إنّ العولمة، وتقنيات البناء الحديثة، والتضخّم السكّاني وغيرها من الأسباب، جعلت هذه الطريقة من البناء تتراجع، كما ازدادت مشاكل السكن في المدن. لكن يمكننا القول أنّ أقسى مشاكل السكن وأشدّها تأثيراً على الناس هي في الفترات التي تلي الحروب أو الكوارث.

شهدت، وتشهد، معظم المدن السورية دماراً جزئياً أو كاملاً. هذا الدّمار استهدف بأغلبه الأحياء السكنية من تلك المدن. وبالتالي، فإشكالية المسكن ستكون من أولى الإشكاليات المطروحة لإعادة الإعمار. فكيف سيعاد بناء مدن بأكملها بعد انتهاء الحرب وعودة سكانها المهجرين؟ هل توجد حلول قصيرة المدى وبتكاليف منخفضة تحترم تاريخ تلك المدن وذاكرة سكانها وانتمائهم إلى أرض أُجبروا على تركها يوماً؟.

حركة الكاستور Castors Les

إحدى أهم التّجارب الفرنسية التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، وقد امتدت على أغلب المدن الفرنسية، هي حركة الكاستور التي تتمثّل باتفاق عدد من الأفراد والعائلات للتجمع وبناء مساكنهم بأنفسهم بشكل جماعي، أي بشكل تعاوني. اتبعت هذه الحركة نظاماً مالياً خاصّاً لم يكن موجوداً من قبل يتمثّل بقروض بنكية عرفت بال «l«apport-travail أي أنّ العمل هو الضمان الوحيد لسداد هذه القروض. وعن طريق تلك القروض تمكّنت العائلات المنتمية إلى حركة الكاستور من شراء أراضٍ لبناء منازل بما يتناسب مع حاجة كلّ عائلة، إضافة لشراء مواد البناء، وقد امتدّ سداد القروض على مدى 25 سنة، وبعد انتهائها من تسديد القرض تعود ملكية الأرض مع المنزل إلى العائلة نفسها التي بنتها.

البناء الذّاتي

جدير بالذكر أنّ عمليات بناء هذه المساكن تمّت من قبل رجال العائلات، ولم تشهد حركة الكاستور مشاركة فعلية للمرأة في عملية البناء، والغالبية العظمى من الرّجال كانوا عمالاً وموظفين، لذلك كانت عمليات البناء تتمّ في أوقات فراغهم وفي عطل نهاية الأسبوع بشكل رئيسي ممّا أدّى إلى امتداد عمليات البناء على ثلاث سنوات بشكل تقريبي. بين عامي 1950 و1954 تكاثر عدد ورشات البناء من 1050 إلى 5000 ورشة، كما ارتفع عدد البيوت من 90 بيتاً مسكوناً إلى 5350 بيتاً.

في مقابلة جماعية أجريت مع تجمع من هذه الحركة في مدينة نوازي لو سيك، وهي مدينة قريبة من باريس، نستطيع أن نلاحظ تجربة مميزة بين أفرادٍ كان كلّ منهم مجهولاً بشكلٍ كاملٍ بالنسبة للآخرين قبل البدء بعملية البناء والتي انتهت بأن يصبحوا جيراناٍ. يقول أحدهم: «عندما انتقلت أنا وعائلتي، كنا نجتمع كل مساء مع الجيران، حينها لم يكن التلفاز موجوداً بعد. كنّا بحال جيدة مجتمعين حول السيد لوبيل وهو يعزف على الأوكورديون. الكلّ كانوا سعداء مع أننا كنّا نواجه الكثير من المشاكل، لم نكن أغنياء، ولكن كنّا على وفاق كعائلة واحدة، كان ذلك رائعاً».

شهادة هذا العامل كفيلة بأن تعطينا فكرة عما يمكن تسميته بالعمارة الذاتية التي ساعدت ببناء حياة جديدة لعائلات دخلها أقل من المتوسط، كما كانت كفيلة بتشكيل ذاكرة جماعية جديدة بعد الحرب لهذه التجمعات السكّانية المشاركة، حيث أن امتلاك بيت كان شيئاً أساسياً لمساعدة تلك العائلات على البدء من جديد.

من ناحية أخرى، تعتبر الدولة الفرنسية من أهم الجهات التي شجعت هذه الحركات العمرانية الذاتية حيث ساعدت بشكل كبير على تسهيل عملية بيع الأراضي عن طريق دعم الجمعيات وتسهيل إيجاد الأراضي التي ستبنى عليها البيوت.

الحالة السّورية

رغم اختلاف الزمن والسّياق العمراني والاجتماعي في سورية، إلاّ أنّ مشكلة المسكن حاضرة وبشكل كبير في الحالة السورية اليوم. فهل من المحتمل اتباع حلول مشابهة للتجربة الفرنسية؟ تجب الإشارة هنا إلى أهمية العمل القانوني المرافق لحلول مشابهة، إلاّ أنّ القوانين العمرانية المستحدثة (كالقانون رقم 10) تستبعد إمكانية تواجد سيناريو مشابه، على الأقل في الوقت الراهن.

يبدو لنا أن العمارة الذّاتية هي إحدى الطرق الممكنة والنّافعة ليس فقط من وجهة نظر معمارية وعمرانية كحلّ لحاجة السّكن الطارئة ولكن من من وجهة نظر اجتماعية أيضاً، وخصوصاً بعد مرور سنين حرب فكّكت وهجّرت مجتمعات بأكملها. هذه العملية من البناء الجماعي تعيد للأفراد حالة الشعور بالانتماء إلى مجموعة من البشر[1]مما يساعد على التّطور الفردي، وبالتالي الجماعي، في المرحلة الإنتقالية بعد الحرب. من جهة أخرى، فإنّ مبدأ امتلاك قطعة من الأرض هي أساس مهم من أسس المجتمع السوري الذي يشكل الضمان والإستقرار المادي بشكل كبير لكثير من العائلات، لذلك هذه العملية من إعادة الإعمار الذّاتي تعزّز الشّعور لدى السّوريين بالإنتماء إلى أرضهم عن طريق تملكها. 

السؤال هنا : كيف يمكن تمويل هذه المشاريع في الحالة السورية؟ هل ستكون الدولة السورية المستقبلية هي المساهم  الرئيسي؟ أم ستكون رؤوس الأموال السورية جهة ممولة محتملة؟

ولكن السؤال الأكبر هو كيف من الممكن إعادة الإعمار بشكل مكافئ يضمن حقوق جميع السوريين بشكل متساوي؟.

 

 

المراجع

  • Messu, M. 2007. L’Esprit Castor. Sociologie d’un groupe d’autoconstructeurs. L’exemple de la cité de Paimpol, Rennes : Presses universitaires de Rennes.
  • https://www.metropolitiques.eu/Les-Castors-a-Noisy-le-Sec-heurs.html :  في يوم١١تشرين الأول٢٠١٨.
  • Antonio Rafele, La Métropole. Benjamin etSimmel, juin 2010.


[1] Antonio Rafele, La Métropole. Benjamin et Simmel, juin 2010, p.51